قانون تعزيز التضامن الوطني والتكامل الاجتماعي في تركيا
سلام سياسي أم إدارة أمنية لما بعد نزع السلاح؟
العربية | الانكليزية | كردية

الملخص التنفيذي
في 18 أغسطس/آب 2026، نُشر في الجريدة الرسمية التركية قانون «تعزيز التضامن الوطني والتكامل الاجتماعي» بعد توقيع الرئيس رجب طيب أردوغان عليه. ويمثل القانون خطوة مهمة في مسار بدأ بدعوة عبدالله أوجلان، في 27 فبراير/شباط 2025، إلى حل حزب العمال الكردستاني والتخلي عن العمل المسلح، ثم إعلان الحزب في 12 مايو/أيار 2025 حل بنيته التنظيمية وإنهاء الكفاح المسلح. ومع ذلك، لا يقدم القانون حتى الآن تسوية سياسية متكاملة للقضية الكردية.
ينظم القانون تعليق التحقيقات والمحاكمات وتنفيذ بعض الأحكام المرتبطة بالانتماء إلى الحزب أو دعمه، لكنه يجعل بدء هذه الآليات مشروطاً بتأكيد المؤسسات الأمنية انتهاء نشاط الحزب وتسليم أسلحته، ثم صدور قرار من مجلس الأمن القومي. وهو ما يمنح الدولة السيطرة على لحظة التنفيذ وعلى التحقق من الحالات الفردية.
تخلص الورقة إلى أن نزع السلاح قد يخفض العنف ويفتح مجالاً للحياة المدنية، لكنه لا يساوي السلام تلقائياً. فغياب الاعتراف السياسي، وعدم معالجة قوانين مكافحة الإرهاب، واستمرار الغموض حول وضع أوجلان، وتراجع المجال العسكري والإداري الكردي في سوريا، كلها عوامل تجعل العملية أقرب في مرحلتها الحالية إلى إدارة أمنية منظمة منها إلى مصالحة سياسية وعدالة انتقالية.
الاستنتاجات الرئيسية
القانون مشروط ومؤقت، وليس عفواً عاماً شاملاً.
المكسب التركي واضح وفوري: إنهاء التهديد المسلح؛ أما المقابل السياسي للكرد فما يزال غير محدد.
اختلال موازين القوة العسكرية والإقليمية دفع الطرفين إلى قبول مسار الحل.
الدافع التركي يجمع بين الأمن الإقليمي، تخفيض الاستنزاف الاقتصادي، والحسابات الداخلية المرتبطة بمستقبل أردوغان والمعارضة.
تحويل نزع السلاح إلى سلام يتطلب اعترافاً دستورياً وحقوقاً اجتماعية وثقافية وسياسية، ولا مركزية قابلة للتنفيذ، وبرنامجاً اقتصادياً للمناطق الكردية.
نطاق الورقة ومنهجيتها
تستند هذه الورقة إلى ثلاثة مستويات مترابطة من المعلومات: الوقائع القانونية المنشورة في الجريدة الرسمية، والتغطيات الصحفية الموثوقة، والمعلومات التي حصلنا عليها من مصادرنا الخاصة عبر تواصل مباشر مع أشخاص وقيادات على صلة بالمسار، وعلى مستويات مختلفة. وقد ساعدت هذه المصادر في توضيح جوانب لا تظهر في البيانات الرسمية، خصوصاً الاتصالات المتعلقة بمسار حزب العمال الكردستاني وقوات سوريا الديمقراطية وعبدالله أوجلان. وتبني الورقة على هذه المعطيات قراءة سياسية للسياق التركي والإقليمي، مع الحفاظ على سرية المصادر والتمييز بين المعلومات المنشورة والمعلومات التي جرى الحصول عليها بصورة مباشرة.
خلفية تاريخية مختصرة
تعود جذور القضية الكردية في تركيا إلى تأسيس الجمهورية على قاعدة قومية مركزية تعاملت طويلاً مع الهوية الكردية باعتبارها مسألة أمنية أو تهديداً لوحدة الدولة. وترافقت هذه السياسة مع قيود على اللغة والتنظيم السياسي، ثم مع انتفاضات وثورات وقمع عسكري واسع. تأسس حزب العمال الكردستاني في أواخر سبعينيات القرن العشرين، وبدأ كفاحه المسلح عام 1984، فتحول الصراع إلى واحد من أطول النزاعات المسلحة في المنطقة.
شهدت تركيا مراحل متقطعة من الانفتاح والحوار، كان أبرزها مسار 2013–2015. أتاح ذلك المسار اتصالات مباشرة ووعوداً بإصلاحات، لكنه انهار وسط تصاعد العنف والتوترات الإقليمية والاستقطاب الداخلي. ترك الانهيار أثراً عميقاً في الثقة الكردية، وجعل أي مبادرة جديدة تواجه سؤالاً عملياً: ما الضمانات التي تمنع تكرار الانتقال السريع من التفاوض إلى القمع؟
لهذا لا يمكن قراءة القانون الحالي بمعزل عن الذاكرة السياسية السابقة. فالقانون قد يكون أكثر تقدماً من مجرد إعلان أمني، لكنه سيظل محدوداً إذا لم يتحول إلى إطار مستقر يربط نزع السلاح بإصلاحات سياسية وحقوقية واضحة.
ماذا نتعلم من مسار 2013–2015؟
يقدم مسار السلام السابق درساً أساسياً: الاتصالات السياسية وحدها لا تكفي عندما لا تكون الالتزامات متبادلة ومحمية قانونياً. فقد فتح المسار السابق مجالاً للحوار، لكنه بقي هشاً أمام تغيرات الأمن والانتخابات والتطورات في سوريا. وعندما انهار، عاد الطرفان إلى منطق القوة، ودُفعت المدن الكردية إلى مواجهات أوقعت خسائر واسعة وأغلقت المجال المدني.
الدرس الثاني أن الغموض قد يساعد القيادات على بدء التفاوض، لكنه يضر بشرعية العملية على المدى الطويل. فإذا لم يعرف المجتمع الكردي ما الذي سيحصل عليه، ولم يعرف المجتمع التركي ما الذي ستلتزم به الدولة، يصبح كل طرف قادراً على تفسير المسار باعتباره تنازلاً من الطرف الآخر. لذلك يحتاج القانون الحالي إلى جدول زمني معلن، ومؤشرات تنفيذ يمكن للبرلمان والقضاء والرأي العام مراجعتها.
والدرس الثالث أن المسار الداخلي لا ينفصل عن الإقليم. فقد أثرت الحرب السورية، وتوسع نفوذ القوى الكردية عبر الحدود، والتدخلات العسكرية التركية، في حسابات أنقرة والحزب معاً. ومن ثم فإن أي اتفاق جديد يحتاج إلى قنوات اتصال مع بغداد وأربيل ودمشق وطهران وواشنطن، حتى لا يؤدي سوء التنسيق الإقليمي إلى إفشال التفاهم الداخلي.
1. ماذا ينظم القانون؟
معاملة قانونية مشروطة وليست عفواً عاماً: لا يمنح القانون عفواً عاماً بالمعنى التقليدي، بل يضع نظاماً مؤقتاً لتعليق التحقيقات والمحاكمات وتنفيذ بعض الأحكام المرتبطة بالعضوية أو الدعم أو الدعاية أو التمويل. ويمكن تعليق الإجراءات لفترات محددة، ثم إسقاطها إذا التزم الشخص بالشروط ولم يرتكب جريمة جديدة خلال المدة المقررة. وتشير التغطيات إلى أن آلاف الأشخاص قد يستفيدون من هذه الآلية، خصوصاً من لم يشاركوا مباشرة في أعمال عنف.
لكن تفعيل الأحكام ليس تلقائياً. ينبغي أولاً أن تؤكد المؤسسات الأمنية التركية انتهاء الوجود الفعلي للحزب وتسليم الأسلحة الخاضعة لسيطرته، ثم يصدر مجلس الأمن القومي قراراً يثبت ذلك وينشر في الجريدة الرسمية. بعد هذه الخطوة تبدأ مهلة تقديم طلبات الاستفادة. وبذلك تحتفظ الدولة بالدور الحاسم في التحقق، وتحديد موعد التنفيذ، وتقييم الحالات الفردية.
من يقع خارج القانون؟
يستثني القانون المدانين بالقتل العمد، إضافة إلى فئات من المحكومين بالسجن المؤبد، ومن بينهم زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان وعدد من القيادات العليا. ولا يغير التشريع وضع أوجلان القانوني ولا يفتح تلقائياً طريقاً إلى إطلاق سراحه، رغم دوره المركزي في الدعوة إلى الحل وإنهاء العمل المسلح. كما لا يتناول بصورة مباشرة الحقوق السياسية والثقافية، أو تعديل قوانين مكافحة الإرهاب، أو توسيع مساحة العمل السياسي الكردي السلمي.
يبقى تأجيل هذه الملفات مصدراً لعدم اليقين. فإذا لم تتبع آلية نزع السلاح خطوات سياسية قابلة للقياس، فقد تتحول المرحلة الأولى إلى المرحلة الأخيرة من العملية.
2. فجوة الخطاب والاعتراف الغائب
جوهر المشكلة أن الدولة التركية لم تعترف، حتى الآن، بأن سياساتها القومية التمييزية والعنصرية تجاه الكرد كانت العامل الأساسي في إنتاج البيئة التي نشأ فيها الصراع ومهّدت لظهور حزب العمال الكردستاني. ولا يصح وضع الدولة، بما تملكه من مؤسسات وسلطة وقرار، في موقع مماثل لتنظيم ظهر في سياق القمع والإنكار. فالمسؤولية الأصلية عن نشوء الصراع تقع على الدولة وسياساتها، فيما لا يتحمل حزب العمال الكردستاني مسؤولية تلك السياسات التي أنتجت الأزمة. وهذا لا يلغي مسؤولية الحزب عن الانتهاكات والهجمات التي ارتكبها لاحقاً، لكنه لا يحوّل تلك الانتهاكات إلى سبب الصراع، ولا يعفي الدولة من مسؤوليتها التاريخية والسياسية. فما يزال الخطاب الرسمي يميل إلى تقديم ما حدث بوصفه أزمة إرهابية أحادية الجانب، لا صراعاً ترتبت عليه مسؤولية الدولة ومؤسساتها وسياساتها التمييزية.
لذلك تبدو العملية أقرب إلى مسار أمني لإعادة الاحتواء منها إلى سلام قائم على المصالحة والعدالة الانتقالية. فالتشريع ينظم أوضاع أفراد الحزب، لكنه لا يتضمن اعترافاً واضحاً بضحايا سياسات الدولة، أو مساءلة عن الانتهاكات التي ارتكبت خلال عقود الصراع، أو ضمانات مؤسسية لعدم تكرارها.
كما لا يعترف صراحة بوجود قضية كردية مستقلة عن وجود حزب العمال الكردستاني. وهذه نقطة مركزية، لأن القضية الكردية سبقت الحزب ولن تنتهي بمجرد حله. هنا تظهر فجوة جوهرية بين خطاب الطرفين: الحركة الكردية تتحدث عن الهوية واللغة والحقوق والتمثيل السياسي، بينما تتعامل الدولة مع تنظيم صنفته إرهابياً قرر حل نفسه، فتضع له آلية قانونية للعودة والاحتواء.
إذا بقي هذا الاختلاف بلا معالجة، فقد ينتهي الحزب بينما تستمر القضية التي أسهمت في ظهوره. وقد تنجح الدولة في إخراج السلاح من المعادلة من دون الانتقال إلى مصالحة تعالج جذور الصراع.
3. المجتمع الكردي وأزمة الشرعية
لا يمكن فهم موقف الشارع الكردي الحالي من خلال الأيديولوجيا التي تأسس عليها حزب العمال الكردستاني. فالحزب نشأ في سياق اليسار الثوري في سبعينيات القرن الماضي، وقدم نفسه بوصفه حركة تحرر اجتماعي ذات مشروع يساري. أما اليوم، فقد تغيرت أولويات قطاعات واسعة من الكرد، وابتعد قسم كبير من الجيل الجديد عن الخطاب اليساري التقليدي، واتجه نحو خطاب كردي وطني يركز على الهوية والحقوق والإدارة المحلية والتمثيل السياسي.
وقد أسهمت تجربة روج آفا وتجربة باشور كردستان في رفع سقف التوقعات. فالكرد لم يعودوا ينظرون إلى أنفسهم بوصفهم جماعة محرومة تنتظر الحد الأدنى من الاعتراف، بل بوصفهم قوة سياسية وعسكرية ومجتمعية قادرة على إدارة مناطقها والمشاركة في صياغة مستقبلها. لذلك لم تعد المطالب تقتصر على الاعتراف الثقافي أو السماح المحدود باستخدام اللغة، بل تشمل إدارة المناطق الكردية من خلال مؤسسات محلية منتخبة، وضمان اللغة والتعليم والثقافة، وحقوقاً سياسية واقتصادية واجتماعية، وربما شكلاً من أشكال الحكم الذاتي ضمن الدولة.
هذا التحول يضع الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني أمام تحدٍ مشترك. فالحكومة تخشى أن يؤدي الاعتراف بهذه المطالب إلى إعادة تعريف الدولة وعلاقتها بالكرد، بينما يواجه الحزب نفسه احتمال فقدان جزء من قاعدته الشعبية إذا بقي خطابه محصوراً في اليسار الثوري والعمل المسلح، في وقت أصبح فيه الشارع الكردي أكثر ميلاً إلى خطاب وطني عملي يركز على المؤسسات والحقوق والإدارة.
لا يقتصر التململ داخل الشارع الكردي في باكور على القمع الذي تعرض له حزب المساواة وديمقراطية الشعوب «ديم»، بل يرتبط أيضاً بأداء الحزب نفسه خلال السنوات الأخيرة. فقد ازدادت الانتقادات بسبب مواقفه من عملية السلام، وأخطائه السياسية، وعدم قدرته على مواجهة الدولة أو حشد الشارع الكردي بصورة فعالة. ويرى قسم من الكرد أن الحزب قدم تنازلات سياسية من دون أن يحصل على ضمانات مقابلة، وأنه لم ينجح في تحويل تمثيله البرلماني والبلدي إلى قوة ضغط قادرة على حماية الحقوق الكردية.
وقد فاقم اعتقال قيادات الصف الأول والثاني ورؤساء البلديات هذه الأزمة، إذ انتقلت أدوار أساسية إلى قيادات من الصف الثالث، ما أضعف القرار السياسي والتنظيمي. لذلك لا ينظر جزء واسع من الشارع الكردي إلى «ديم» باعتباره ممثلاً قوياً لمطالبه في المرحلة الحالية، بل يحمّله جزءاً من مسؤولية العجز السياسي الذي رافق عملية السلام. وهذا يفسر لماذا لا يعني قبول بعض القيادات بالمسار الحالي وجود قبول شعبي واسع به.
لذلك، قد ينتهي حزب العمال الكردستاني بوصفه بنية عسكرية وتنظيمية، لكن لا يعني أن المشروع سينتهي كأيديولوجيا سياسية ولا يعني كذلك أن الشارع الكردي سيقبل تلقائياً بالشروط المطروحة. فالمجتمع الكردي الذي خرج من هذه التجارب يطالب بأكثر من إعادة إدماج الأفراد؛ إنه يطالب بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة التركية والكرد على أساس الاعتراف والحقوق والشراكة السياسية.
4. الدافع الإقليمي: تحصين الداخل التركي
لا يمكن فصل انفتاح أنقرة على حزب العمال الكردستاني عن التحولات التي بدأت بعد هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، ثم الحرب في غزة والحرب الإسرائيلية والأمريكية–الإيرانية والتغيرات العميقة في سوريا والعراق. رفعت هذه التطورات مخاوف تركيا من إعادة تشكيل المنطقة ومن احتمالات اتساع الصراع أو اضطراب إيران.
ومن وجهة نظر الأمن القومي التركي، يمكن أن تتحول القضية الكردية، بسبب امتدادها بين تركيا وسوريا والعراق وإيران، إلى نقطة هشاشة قابلة للاستثمار في الصراعات الإقليمية. فأي قوة خارجية تريد الضغط على دولة أخرى تبحث عادة عن انقسامات أو نزاعات داخلية يمكن استخدامها. واستمرار الحزب بلا حل يترك الباب مفتوحاً أمام تدخلات وتحالفات قد لا تستطيع أنقرة التحكم بها مستقبلاً.
يمكن، بناءً على ذلك، قراءة المسار الحالي بوصفه محاولة لتحصين الداخل التركي وإزالة تهديد مسلح وورقة إقليمية في الوقت نفسه. لا يعني ذلك أن الدافع الأمني يلغي إمكان الوصول إلى السلام، لكنه يعني أن مبادرة الدولة قد تكون مدفوعة أساساً بتقليل المخاطر الإقليمية أكثر من كونها ناتجة حتى الآن عن مراجعة داخلية شاملة لسياساتها تجاه الكرد.
5. العامل الاقتصادي وإيقاف الاستنزاف
لا يرتبط المسار بالحسابات الأمنية والإقليمية فقط، بل يتصل أيضاً بالوضع الاقتصادي التركي. فقد فرضت العمليات العسكرية الطويلة في كردستان الشمالية وكردستان الجنوبية والغربية كلفة مالية وأمنية مستمرة، في وقت تواجه فيه البلاد تضخماً وضغوطاً على العملة وتراجعاً في القدرة على تحمل استنزاف مفتوح. ومن هذه الزاوية، يمكن أن يتيح إنهاء الصراع المسلح تخفيض الإنفاق العسكري، وتحسين بيئة الاستثمار والتجارة، وتوجيه الموارد نحو الاقتصاد الداخلي.
وترتبط هذه الحسابات أيضاً بموقع تركيا كحلقة وصل بين أوروبا وآسيا وممر للطاقة والتجارة. غير أن تحويل تركيا إلى عقدة إقليمية مستقرة يتطلب خفض المخاطر على امتداد المناطق الحدودية، بما في ذلك العراق وسوريا. لذلك قد ترى أنقرة في تسوية الملف الكردي وسيلة لتقليل كلفة أمنية تعوق طموحاتها الاقتصادية، لا مجرد تنازل سياسي للحركة الكردية.
لكن هذا المكسب لن يتحقق تلقائياً. فهو يتوقف على ما إذا كانت الدولة ستستخدم الموارد التي يوفرها وقف القتال لمعالجة التفاوت الاقتصادي، أم ستكتفي بتحويل الوفر المالي إلى أدوات أمنية وإقليمية جديدة.
6. أردوغان والمعارضة ومستقبل الدور التركي
يرتبط مسار نزع السلاح أيضاً بالصراع على مستقبل النظام السياسي التركي. فمنذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم عام 2002، تركزت صلاحيات واسعة في مؤسسة الرئاسة، وتحوّل التنافس السياسي تدريجياً إلى صراع على طبيعة الدولة نفسها. وخلال السنوات الأخيرة، تعرضت شخصيات وبلديات معارضة منتخبة، وفي مقدمتها رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، لإجراءات قضائية واعتقالات. كما ألغت محكمة تركية في مايو/أيار 2026 نتائج مؤتمر حزب الشعب الجمهوري، وأبعدت أوزغور أوزيل وأعادت كمال كليتشدار أوغلو إلى قيادة الحزب. ويُنظر إلى كليتشدار أوغلو بوصفه شخصية ضعيفة انتخابياً، إذ خسر جميع الانتخابات التي خاضها في مواجهة حزب العدالة والتنمية ورجب طيب أردوغان، وأسهمت قيادته السابقة في إضعاف الحزب وتراجع قدرته على المنافسة. وقد وصفت المعارضة القرار القضائي بأنه تدخل سياسي يهدف إلى إضعاف أكبر منافسي التحالف الحاكم، الذي يضم حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية (MHP).
في هذا السياق، يمكن قراءة عملية السلام باعتبارها جزءاً من محاولة أوسع لإعادة ترتيب الخريطة الانتخابية. فقد استفاد حزب الشعب الجمهوري من أصوات الناخبين الكرد في الانتخابات البلدية، وتمكن من انتزاع إسطنبول وأنقرة من حزب العدالة والتنمية. ولذلك قد تسعى الحكومة إلى الحصول على دعم الكرد، ومنع قيام تحالف سياسي أو انتخابي بينهم وبين حزب الشعب الجمهوري، بما يضعف قدرة المعارضة على بناء قاعدة انتخابية واسعة تنافس التحالف الحاكم.
وإذا نجحت العملية، فقد تؤدي إلى تفاهمات بين الحكومة والقوى الكردية، وتمنع في الوقت نفسه تشكل جبهة انتخابية تجمع حزب الشعب الجمهوري والأحزاب الكردية. وبذلك يصبح نزع السلاح جزءاً من استراتيجية سياسية أوسع تهدف إلى تأمين أصوات الكرد، وإضعاف الحزب الجمهوري، وإعادة إنتاج التوازن الانتخابي لمصلحة أردوغان وحلفائه.
7. السياسة الخارجية التركية بين التوسع والابتزاز وإعادة التموضع
لم تكن سياسة أردوغان الخارجية مجرد سياسة لحماية الأمن التركي، بل اتخذت طابعاً توسعياً واضحاً، مستندة إلى طموح لإعادة بناء نفوذ تركي واسع في المناطق التي تعتبرها أنقرة جزءاً من مجالها التاريخي والاستراتيجي. وقد تعاملت الحكومة التركية مع سوريا والعراق والقوقاز وليبيا بوصفها ساحات مفتوحة للتدخل، لا مجرد دول مجاورة. وفي هذا السياق، ارتبط خطاب أردوغان بفكرة استعادة نموذج «العثمانية الجديدة»، مبررا ذلك بأن حماية تركيا ومصالحها تتطلب توسيع مجالها السياسي والعسكري خارج حدودها.
ترجمت تركيا هذه الرؤية إلى احتلال عسكري مباشر لمناطق في شمال سوريا، وإنشاء مواقع عسكرية داخل الأراضي العراقية، إضافة إلى تدخلها في الحرب بين أذربيجان وأرمينيا. وفي ليبيا، لم تكتفِ بالدعم السياسي والعسكري، بل أرسلت مقاتلين ومرتزقة سوريين من الفصائل التابعة لما يسمى الجيش الوطني السوري. كما استخدمت ملف اللاجئين للضغط على الاتحاد الأوروبي، عبر التلويح بفتح الحدود أو إغلاقها، وحصلت بموجب التفاهمات الأوروبية–التركية على مليارات اليوروهات لتمويل استضافة اللاجئين؛ إذ بلغت مخصصات «مرفق اللاجئين في تركيا» نحو ستة مليارات يورو المفوضية الأوروبية.
وفي الوقت نفسه، اتبعت أنقرة سياسة براغماتية تقوم على اللعب بين التناقضات الدولية: فهي عضو في حلف شمال الأطلسي وشريك للغرب، لكنها طورت في الوقت نفسه علاقات وثيقة مع روسيا، واستثمرت الحرب في أوكرانيا والتنافس الروسي–الغربي لتعزيز موقعها التفاوضي. وإذا بقي أردوغان والتحالف الحاكم في السلطة، فمن المرجح أن يستمر هذا النهج، مع استخدام إنهاء الصراع الكردي لتثبيت قواعد ونفوذ في سوريا والعراق. أما إذا وصلت المعارضة إلى الحكم، فقد تخفف التدخل العسكري وتعيد ترتيب العلاقات على أساس حسن الجوار والاقتصاد والدبلوماسية، من دون أن تتخلى بالضرورة عن النفوذ الذي راكمته تركيا خلال العقدين الماضيين.
8. اختلال موازين القوة ومفارقة التوقيت
لا يمكن فصل قرار الحزب عن التغير الكبير في موازين القوة. فمنذ سنوات، لم يعد قادراً على تنفيذ عمليات عسكرية مؤثرة داخل تركيا نتيجة للتغيرات الجيوسياسية ونتيجة تطور الأسلحة العسكرية مثل الطائرات المسيّرة وأنظمة المراقبة والاستخبارات، إضافة إلى العمليات التركية التي دفعت معظم نشاطه إلى خارج الأراضي التركية.
وقد أعاد التحول السوري الحزب إلى واجهة الاهتمام الإقليمي، خصوصاً بعد صعود وحدات حماية الشعب ودورها في الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية ضمن التحالف الدولي. كما عززت القوات الكردية حضورها في شنكال بعد الجرائم التي ارتكبها تنظيم الدولة الإسلامية ضد الإيزيديين. منح هذا الدور القوى الكردية في سوريا أهمية عسكرية وسياسية، وفتح أمامها مجالاً للتحالف مع واشنطن والغرب.
لكن هذه المعادلة تغيرت لاحقاً. فقد تراجعت الخصوصية العسكرية والإدارية لمشروع الإدارة الذاتية، وأصبحت قوات سوريا الديمقراطية أمام ضغط متزايد للاندماج في مؤسسات الدولة السورية. كما أصبح وجود حزب العمال الكردستاني في إقليم كردستان عبئاً على الحزب نفسه وعلى حكومة الإقليم والدولة العراقية، لأنه يمنح تركيا مبرراً مستمراً للتدخل العسكري والسياسي في العراق وسوريا.
وبهذا المعنى، لم يعد الحزب قادراً على الاستمرار في وضعه السابق. فهو لا يملك فعالية عسكرية كافية لفرض شروط تفاوضية، بينما أصبح وجوده يستخدم لتبرير الضغط على تجربتي روج آفا وإقليم كردستان. لذلك يعكس قرار الحل، إلى جانب المراجعة السياسية، تقلص الخيارات العسكرية والإقليمية المتاحة أمام الحزب.
لا يعني ذلك أن نزع السلاح خطأ؛ فالعمل المسلح لم يعد قادراً على إنتاج حل سياسي مستدام. لكن توقيت الانتقال يحدد شروطه: تحصل أنقرة منذ البداية على المكسب الأكثر وضوحاً، وهو إنهاء التهديد المسلح، بينما تبقى المكاسب السياسية الكردية غير محددة وغير مضمونة.
9. سوريا وانكماش مشروع الإدارة الذاتية
دخلت قوات سوريا الديمقراطية في عملية دمج عسكري وإداري مع دمشق بعد خسارتها جزءاً كبيراً من مناطق سيطرتها خلال مواجهات مطلع عام 2026. وتشير التقارير إلى اتجاه لدمج التشكيلات العسكرية والمؤسسات المدنية التابعة للإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة السورية، مع بقاء بعض التفاصيل المحلية والحقوق الثقافية موضع تفاوض.
لا توجد أدلة علنية كافية تسمح بوصف هذه التطورات بأنها بند رسمي في صفقة واحدة بين تركيا وحزب العمال الكردستاني. لكن من الصعب أيضاً اعتبارها مساراً منفصلاً تماماً، لأن أنقرة تعدّ قسد امتداداً للحزب وجعلت دمجها في الدولة السورية محوراً ثابتاً في حساباتها الإقليمية.
ولا ينبغي القول إن عبدالله أوجلان أصدر علناً توجيهاً مباشراً بشأن كل تفاصيل الاتفاق، ما لم يتوافر نص منشور يثبت ذلك. لكن، بحسب مصادر مطلعة تواصلنا معها، جرى تواصل بين قيادات في قوات سوريا الديمقراطية، في مقدمتها مظلوم عبدي وإلهام أحمد، أوجلان، وأسهم هذا التواصل في تسهيل التفاهمات مع دمشق.
وتشير هذه المعلومات إلى أن أوجلان لعب دوراً في الدفع نحو قبول الاتفاق، في وقت كانت فيه قسد منقسمة بين تيار يرفض تقديم تنازلات واسعة، وتيار يرى أن استمرار المواجهة سيؤدي إلى خسارة ما تبقى من المجال السياسي والعسكري. كما ساهم حزب المساواة وديمقراطية الشعوب «دم» في تسهيل الاتصالات من خلال زياراته إلى روج آفا ونقله رسائل بين الأطراف.
وتشير معطيات أخرى إلى أن إقليم كردستان العراق لعب دوراً في الوساطة وتوفير الضمانات السياسية، بعدما تراجعت خيارات قوات سوريا الديمقراطية وأصبح من الصعب عليها التفاوض منفردة مع دمشق وتركيا. لا يعني ذلك وجود صفقة معلنة وموحدة بين جميع الأطراف، لكنه يكشف شبكة الضغوط والوساطات الإقليمية التي أحاطت بالاتفاق.
كما أن أي قرار بالانسحاب أو الاندماج لا يضمن التزام جميع عناصر حزب العمال الكردستاني بالطريقة نفسها. فقد ظهرت في مراحل سابقة مجموعات داخل الحزب رفضت الانسحاب أو اختارت مواصلة المقاومة، أو لم تلتزم بخيارات الحزب السياسية، وقد تكون هذه المقاومة محدودة عسكرياً، لكنها تملك قيمة رمزية وسياسية يستطيع الحزب استثمارها.
10. الذاكرة التاريخية وأزمة الثقة
تحضر في الذاكرة الكردية الاتفاق الملي والذي تجسد في مشاركة بعض العشائر الكردية إلى جانب الحركة الكمالية خلال حرب الاستقلال وتأسيس الجمهورية، ثم تراجع الدولة لاحقاً عن خطاب الشراكة واتجاهها نحو قومية مركزية أنكرت الخصوصية الكردية. وبصرف النظر عن الاختلافات التاريخية في تفسير الوعود والتفاهمات التي رافقت تلك المرحلة، ترسخ لدى كثير من الكرد شعور بأنهم ساهموا في تأسيس الدولة ثم استُبعدوا من تعريفها الرسمي.
كما أن انهيار مسار السلام بين عامي 2013 و2015 يعزز المخاوف من تكرار التجربة. ولذلك لا تكفي التصريحات أو التفاهمات الشفهية لإقناع الشارع الكردي بأن التخلي عن السلاح سيقابله تحول سياسي حقيقي.
يشعر قسم من الكرد بأن العملية الحالية تشبه شروطاً تُفرض على طرف خسر الحرب، رغم أنها لم تعلن رسمياً بوصفها استسلاماً. فالمطلوب من الطرف الكردي واضح وفوري: حل التنظيم وتسليم السلاح والخضوع لآليات التحقق. أما التزامات الدولة المتعلقة بالاعتراف والحقوق والإصلاح السياسي فما تزال غير واضحة أو مؤجلة.
11. شروط الاعتراف الفعلي
لا يكفي الاعتراف بالكرد بوصفهم مواطنين أفراداً أو كتلة بشرية داخل الجمهورية. المطلوب هو الاعتراف بهم جماعة تاريخية لها هوية ولغة وثقافة ووجود جغرافي. حتى الآن، لم يصل الخطاب الرسمي أو القانون الجديد إلى هذا المستوى. فما تزال الدولة تتحفظ على استخدام مصطلحات مثل «القضية الكردية» و«كردستان» في المجال السياسي الرسمي، ولم يتحقق الاعتراف الدستوري الصريح بالهوية الكردية وحقوقها الجماعية.
يحتاج السلام الدائم إلى بحث واضح في الاعتراف الدستوري بالهوية الكردية، وضمان الحقوق الثقافية-الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وحماية العمل السياسي السلمي، واحترام الإدارات المحلية المنتخبة.
كما يجب ألا يبقى الحكم الذاتي أو اللامركزية من المحرمات السياسية. فتركيا بالأساس دولة ليست شديدة المركزية، ويمكن لتوسيع صلاحيات الإدارات المحلية أن يكون أداة لتعزيز وحدة الدولة، لا خطوة تلقائية نحو تقسيمها. ولا ينبغي أن تُعامل المطالبة بحكم محلي واسع أو حكم ذاتي باعتبارها مرادفة للانفصال إذا نظمت دستورياً ضمن حدود الدولة وسيادتها.
12. الاقتصاد والعدالة المحلية
يعاني كردستان الشمالية (شرق وجنوب شرق تركيا) منذ عقود تفاوتاً اقتصادياً وتنموياً مقارنة بالمناطق الغربية. وقد ساهم استمرار الصراع والسياسات المركزية وضعف مشاركة السكان المحليين في صنع القرار في تكريس الفوارق. كما لم تحقق حزم الحوافز الاقتصادية نتائج مستدامة عندما قدمت بديلاً عن الإصلاح السياسي والاجتماعي.
لذلك تحتاج أي تسوية جادة إلى برنامج اقتصادي طويل الأمد تشارك في تصميمه الإدارات المحلية والمجتمع المدني ورجال الأعمال وسكان المنطقة. فالسلام لا يعني توقف إطلاق النار فقط، بل يعني أيضاً تقليص الفوارق في التعليم والصحة والبنية التحتية وفرص العمل والاستثمار. ومن دون عدالة اقتصادية قد يستمر التهميش حتى لو انتهى التنظيم المسلح.
13. اختبارات ما بعد نزع السلاح
يمثل القانون فرصة حقيقية لخفض العنف وإعادة آلاف الأشخاص إلى الحياة المدنية. لكن نزع السلاح لا يساوي السلام تلقائياً. وتتمثل الاختبارات العملية في الآتي:
الوضوح القانوني: ضمانات قابلة للقياس وآلية تحقق مستقلة ومفهومة، لا قواعد قابلة لتغيير التفسير الإداري.
المساحة السياسية: حماية المشاركة والتعبير والمنافسة السياسية السلمية، وعدم وضع النشاط الكردي تحت الاشتباه الأمني.
ملف المعتقلين وزعيم الحزب أوجلان: معالجة القضايا غير المرتبطة بالعنف ضمن مسار قانوني وسياسي واضح.
الحقوق الدستورية والثقافية: الاعتراف باللغة والهوية وضمان التعليم والثقافة والتمثيل السياسي.
الحكم المحلي والاقتصاد: توسيع صلاحيات الإدارات المنتخبة وربط السلام ببرنامج تنمية طويل الأمد.
الاتساق الإقليمي: منع استخدام الملف الكردي لتبرير تدخلات دائمة في العراق وسوريا، ومراعاة مصالح إقليم كردستان وروجافا.
14. مواقف الأطراف ومصالحها
تدخل الحكومة التركية العملية من موقع يركز على السيادة والأمن ومنع عودة الهجمات. وهي تريد آلية قابلة للسيطرة، لا اتفاقاً يمنح الحزب اعترافاً سياسياً متساوياً بالدولة. وفي المقابل، يريد الجانب الكردي أن يتحول نزع السلاح إلى اعتراف بالحقوق وإلى مساحة سياسية تضمن عدم إعادة إنتاج القمع تحت عناوين جديدة.
أما حزب المساواة وديمقراطية الشعوب «دم»، فيحاول الحفاظ على دوره كقناة سياسية بين أوجلان والحكومة والشارع الكردي، لكنه يعمل في بيئة انتخابية وقضائية شديدة الضغط. وتتحرك قسد وإدارة روج آفا تحت ضغط مختلف: الحفاظ على أكبر قدر ممكن من الإدارة المحلية، ومنع عودة الحرب، والتفاوض مع دمشق من موقع لا يزداد ضعفاً.
ويبحث إقليم كردستان عن توازن صعب بين حماية حقوق الكرد في كردستان الغربية وعلاقاته مع أنقرة وبغداد، وبين حماية أمنه الداخلي ومصالحه الاقتصادية. فاستمرار وجود الحزب على أراضيه يضعه تحت ضغط تركي وعراقي، بينما قد يسمح له دور الوساطة بالحفاظ على نفوذ كردي إقليمي وتجنب مواجهة أوسع.
15. السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول هو تسوية تدريجية: يلتزم الحزب بنزع السلاح، وترد الدولة بخطوات قانونية وسياسية متتابعة تشمل الحريات والحقوق واللامركزية. هذا السيناريو يحتاج إلى آلية تحقق متبادلة وجدول زمني معلن، وإلى حماية العملية من التغيرات الانتخابية.
السيناريو الثاني هو إدارة أمنية ناجحة على المدى القصير: ينخفض العنف ويعود عدد من الأعضاء إلى الحياة المدنية، لكن لا يحدث إصلاح سياسي. قد يبدو هذا السيناريو مستقراً، لكنه يترك أسباب الصراع قائمة ويجعل عودة الأزمة ممكنة عند أول صدمة داخلية أو إقليمية.
السيناريو الثالث هو تفكك غير منظم: ترفض مجموعات داخل الحزب التسوية، أو تفشل ترتيبات الاندماج في سوريا، أو تستخدم الحكومة الغموض القانوني ضد النشاط الكردي. في هذه الحالة قد تتراجع قدرة الحزب المركزية، لكن تظهر أشكال جديدة من المقاومة أو الاحتجاج السياسي.
يرتبط ترجيح أي من هذه السيناريوهات بثلاثة متغيرات: وضوح المقابل السياسي، قدرة الحكومة على ضبط أجهزتها والمؤسسات القضائية، وقدرة القوى الكردية على الحفاظ على تمثيل مدني موحد لا تعيده الدولة إلى المجال الأمني.
الخلاصة والتوصيات
المؤشرات المتاحة ترجح كفة «الإدارة الأمنية» على كفة «التسوية السياسية» في المرحلة الحالية. فقد حصلت الدولة على مكسبها الأكثر وضوحاً—إنهاء التهديد المسلح وتغيير البيئة الإقليمية المحيطة بها—قبل أن تلتزم بمقابل سياسي محدد زمنياً أو قانونياً. ولا يعني ذلك أن القانون غير مهم، أو أن الوصول إلى السلام مستحيل، بل يعني أن معنى القانون سيتحدد بالخطوات التي تليه.
يمكن قلب هذا الترجيح عبر تشريع لاحق بشأن اللغة والتعليم الكردي، وتعديل فعلي لقانون مكافحة الإرهاب يوسع مساحة العمل السياسي السلمي، وتحرك ملموس في ملف أوجلان والمعتقلين، وبرنامج لامركزية وتنمية اقتصادية قابل للتنفيذ. أما غياب هذه الخطوات، فسيعني أن القانون هو سقف ما تنوي الدولة تقديمه، لا أرضية لتسوية أوسع.
ولكي تتحول العملية إلى سياسة سلام قابلة للاستمرار، تقترح الورقة خمس خطوات:
إنشاء هيئة تحقق مستقلة تضم ممثلين عن البرلمان والقضاء والمجتمع المدني.
نشر معايير الاستفادة من القانون والقرارات المرتبطة به بصورة شفافة.
فتح مسار برلماني منفصل لمناقشة الحقوق الدستورية والثقافية.
حماية البلديات والإدارات المحلية المنتخبة من العزل التعسفي.
ربط خفض الإنفاق العسكري ببرنامج تنمية معلن للمناطق المتضررة من الصراع.
كما ينبغي أن ترافق هذه الخطوات آلية إقليمية للحوار مع بغداد وأربيل ودمشق، حتى لا يؤدي حل الحزب في تركيا إلى نقل الأزمة إلى حدود أخرى.
السؤال لم يعد ما إذا كان قانون نزع السلاح مهماً. السؤال هو ما إذا كانت تركيا ستعتبره بداية لمسار يقوم على الاعتراف والمصالحة والعدالة، أم نهاية للعملية بمجرد حصولها على نزع السلاح وتحصين أمنها الداخلي والإقليمي.




تعليقات